محتويات المقال
لم تعد الحصبة مجرد مرض من أمراض الماضي في الولايات المتحدة؛ فقد سجلت البلاد خلال عام 2026 ارتفاعًا كبيرًا في الإصابات، في تطور يعيد تسليط الضوء على أهمية التحصين ومراقبة الأمراض المعدية.
وبحسب أحدث بيانات مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC)، تم تسجيل 2,566 حالة حصبة مؤكدة في الولايات المتحدة حتى 13 أغسطس 2026، متجاوزة بذلك إجمالي الحالات المسجلة خلال عام 2025، الذي بلغ 2,289 حالة. كما سجلت السلطات 38 تفشيًا جديدًا خلال عام 2026.
مرض كان قد أُعلن القضاء عليه
تكمن أهمية هذه الأرقام في أن الولايات المتحدة أعلنت إزالة الحصبة محليًا عام 2000، أي أن انتقال الفيروس بصورة مستمرة داخل البلاد كان قد توقف.
لكن الإزالة لا تعني اختفاء الفيروس من العالم؛ إذ يمكن للمسافرين المصابين أن ينقلوه إلى الولايات المتحدة، ثم يبدأ الانتشار داخل المجتمعات التي توجد فيها أعداد كبيرة من الأشخاص غير المحصنين.
وهكذا يمكن لمرض كان تحت السيطرة لسنوات طويلة أن يعود إلى الواجهة عندما تتراجع مستويات المناعة المجتمعية.
لماذا تنتشر الحصبة بسرعة؟
الحصبة من أكثر الأمراض المعدية المعروفة، ويمكن للفيروس الانتقال عبر الهواء عندما يتنفس الشخص المصاب أو يسعل أو يعطس.
وتكمن الخطورة في أن الشخص غير المحصن يمكن أن يصاب بالعدوى بسهولة عند تعرضه للفيروس، خصوصًا في الأماكن المغلقة أو التجمعات التي تضم أشخاصًا غير محصنين.
وتشير بيانات CDC إلى أن 94% من الحالات المؤكدة في الولايات المتحدة عام 2026 كانت مرتبطة بتفشيات، وهو مؤشر على أن المشكلة لا تقتصر على حالات فردية متفرقة، بل تتخذ في بعض المناطق شكل سلاسل انتقال مجتمعية.
تراجع التغطية يفتح الباب أمام التفشي
أحد أهم العوامل التي تثير قلق خبراء الصحة هو انخفاض معدلات تغطية لقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية (MMR) بين أطفال رياض الأطفال.
وتوضح بيانات CDC أن التغطية تراجعت من 95.2% في العام الدراسي 2019–2020 إلى 92.5% في 2024–2025، وهو مستوى أقل من نسبة 95% التي تساعد على الحفاظ على حماية مجتمعية واسعة. وتقدر CDC أن نحو 286 ألف طفل في رياض الأطفال كانوا معرضين للخطر خلال العام الدراسي 2024–2025 نتيجة انخفاض التغطية.
ولا يعني ذلك أن كل طفل غير محصن سيصاب بالمرض، لكنه يعني أن قدرة المجتمع على منع انتقال الفيروس تصبح أضعف عندما تنخفض المناعة الجماعية.
السفر يعيد الفيروس إلى المجتمعات
لا تزال الحصبة منتشرة في مناطق مختلفة من العالم، ولذلك يمكن للمسافرين أن يحملوا الفيروس من دولة إلى أخرى.
وتوضح CDC أن حالات الحصبة يمكن أن تدخل الولايات المتحدة عن طريق أشخاص أصيبوا بالفيروس أثناء السفر ثم عادوا إلى البلاد، وبعد ذلك قد ينتقل المرض إلى أشخاص غير محصنين.
وهذا يوضح كيف أصبحت الأمراض المعدية في العصر الحديث مرتبطة بحركة السفر العالمية؛ فالحدود الجغرافية لا تشكل حاجزًا كاملًا أمام الفيروسات.
ليس كل المصابين من الفئات نفسها
تظهر بيانات CDC أن الحالات المسجلة في 2026 شملت أطفالًا ومراهقين وبالغين، ولذلك لا ينبغي النظر إلى الحصبة باعتبارها مشكلة مرتبطة بفئة عمرية واحدة فقط.
كما أن الخطر لا يتعلق بالإصابة وحدها، بل باحتمال حدوث مضاعفات تستدعي الرعاية الطبية، خصوصًا لدى الأطفال الصغار والأشخاص الذين لا يمتلكون حماية مناعية كافية.
ولهذا تظل الوقاية أكثر أهمية من انتظار ظهور المرض ثم التعامل معه.
اللقاح ما زال خط الدفاع الأساسي
لقاح MMR يمثل الأداة الأساسية للوقاية من الحصبة، وتؤكد CDC أن اللقاح آمن وفعال.
وتبرز أهمية التطعيم بصورة أكبر عندما تكون هناك حركة سفر واسعة أو ظهور حالات مستوردة، لأن وجود مستوى مرتفع من المناعة في المجتمع يقلل فرص تحول الحالات الفردية إلى تفشيات واسعة.
كما أن CDC توفر أدوات لمحاكاة انتشار الحصبة، وتوضح نماذجها كيف يمكن لتدابير مثل العزل والحجر الصحي والتطعيم أن تؤثر في حجم التفشي وسرعة انتشاره.
إنذار يتجاوز الولايات المتحدة
عودة الحصبة في الولايات المتحدة ليست قضية أمريكية فقط.
فكل تفشٍّ واسع يوفر فرصة جديدة للفيروس للانتقال عبر السفر الدولي، بينما تؤدي الفجوات في التغطية بالتطعيم في بعض المجتمعات إلى إيجاد بيئات مناسبة لاستمرار العدوى.
وتكشف الأزمة أيضًا عن أهمية أنظمة المراقبة الصحية؛ فكلما تمكنت السلطات من اكتشاف الحالات مبكرًا وتتبع المخالطين والاستجابة بسرعة، ازدادت قدرتها على منع التفشي من التحول إلى أزمة أكبر.
ما وراء الأرقام
الأرقام الجديدة للحصبة في الولايات المتحدة تمثل إشارة تحذير للصحة العامة؛ فمرض أُعلن القضاء على انتقاله المحلي قبل أكثر من عقدين عاد ليسجل آلاف الحالات خلال عام واحد.
والدرس الأبرز هو أن القضاء على المرض لا يعني أن الخطر اختفى نهائيًا، بل إن الحفاظ على الإنجاز الصحي يحتاج إلى استمرار التحصين، والمراقبة المبكرة، والاستجابة السريعة، ورفع الوعي الصحي.
فحين تتراجع المناعة المجتمعية، يمكن لفيروس قديم أن يجد طريقه من جديد إلى المجتمعات.
فريق النخبة