محتويات المقال

من الرامي الذي يشد وتر قوسه في ساحة القتال، إلى صاروخ يعبر آلاف الكيلومترات، أو طائرة مسيّرة ترصد هدفها وتلاحقه، يمتد تاريخ عسكري طويل غيّر طبيعة الحروب وموازين القوة بين الجيوش. ولم يكن هذا التطور مجرد زيادة في مدى السلاح أو قدرته التدميرية، بل انتقالًا متواصلًا في أساليب اكتشاف الأهداف وإصابتها، وفي العلاقة بين المقاتل والمسافة والزمن.

روى مسلم في صحيحه، عن عقبة بن عامر رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقرأ قول الله تعالى:

﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]

ثم قال:

«أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ». (صحيح مسلم، 1917).

كان الرمي في ذلك العصر يعتمد أساسًا على القوس والسهم، إلى جانب الرماح وغيرها من وسائل القذف. وكانت أهميته العسكرية تنبع من القدرة على إصابة العدو من مسافة، قبل الدخول في قتال مباشر بالسيوف والرماح.

وقد خص النبي صلى الله عليه وسلم الرمي بالذكر تأكيدًا لأهميته، مع أن القوة العسكرية تشمل ما هو أوسع منه. ثم تغيرت أدوات الرمي عبر القرون، وبقيت قدرته على التأثير في المعركة أحد أهم عناصر القوة العسكرية.

القوس والسهم.. أول سلاح مؤثر للقتال عن بُعد

سبق استخدام الأقواس ظهور الإسلام بآلاف السنين، وكانت من أهم أسلحة الجيوش القديمة في آسيا والشرق الأوسط وأوروبا.

وأتاحت الأقواس للمقاتلين إصابة الخصم قبل الاشتباك المباشر معه، كما سمحت للجيوش بتوظيف مجموعات من الرماة لحماية مواقعها وإضعاف القوات المتقدمة.

ولم تكن فاعلية القوس مرتبطة بقوة السهم وحدها، بل بمهارة الرامي وسرعة إطلاقه وانضباط مجموعته وقدرتها على العمل ضمن تشكيل عسكري منظم.

وتقدم غزوة أُحد، في السنة الثالثة للهجرة الموافق 625م، مثالًا واضحًا على أهمية الرماة في حماية التشكيل العسكري.

فقد وضع النبي صلى الله عليه وسلم خمسين راميًا بقيادة عبد الله بن جبير رضي الله عنه على جبل عينين، وأمرهم بالمحافظة على مواقعهم سواء انتصر المسلمون أو انهزموا.

وكانت مهمة هذه القوة حماية أحد جوانب الجيش ومنع قوات المشركين من الالتفاف عليه. وعندما غادر معظم الرماة مواقعهم، انكشفت الثغرة التي كانوا يحمونها، واستغلها فرسان المشركين في الهجوم على المسلمين من الخلف، فتغير مسار المعركة.

وتكشف هذه الواقعة أن قيمة الرمي العسكرية لم تكن محصورة في إصابة الأفراد، بل شملت حماية الأجنحة، ومنع تحركات الخصم، والمحافظة على السيطرة على الأرض.

وشهدت القرون التالية تطوير الأقواس المركبة المصنوعة من الخشب والقرن والأوتار الحيوانية، والتي استخدمتها جيوش متعددة، بينها جيوش تركية ومغولية وإسلامية.

وقد أتاحت هذه الأقواس الجمع بين قوة الرمي وصغر حجم السلاح نسبيًا، وهو ما عزز استخدامها لدى الفرسان، وساعد الجيوش التي اعتمدت على الحركة السريعة على إطلاق السهام أثناء المناورة.

وفي أوروبا، برز القوس الطويل الإنجليزي في حرب المئة عام، ولا سيما في معركتي كريسي عام 1346م وأجينكور عام 1415م، حيث أثبتت كثافة الرمي المنظم قدرتها على إعاقة تشكيلات أكبر عددًا.

وبحسب متحف الأسلحة الملكية البريطاني، بلغ المدى التقريبي لبعض الأقواس الطويلة نحو 229 مترًا أو أكثر، وإن كان المدى الفعّال يعتمد على التدريب والظروف ونوع الهدف.

المنجنيق.. نقل الرمي من الأفراد إلى التحصينات

مثّلت آلات الحصار مرحلة مختلفة في تاريخ الرمي، بعدما أصبح بالإمكان قذف مقذوفات ثقيلة إلى مسافات تتجاوز قدرة الإنسان المباشرة.

فقد استخدمت الحضارات القديمة المنجنيقات وآلات القذف لضرب الأسوار والحصون وتجمعات القوات.

ثم تطورت هذه المعدات خلال العصور الوسطى، وظهرت أنواع تعتمد على الأذرع والشد والأثقال الموازنة، بما سمح بقذف حجارة ذات أوزان كبيرة باتجاه التحصينات.

واستخدمت الجيوش الإسلامية المنجنيقات في عمليات الحصار، كما طورت الدول المتعاقبة وسائل النقل والتجهيز والتشغيل اللازمة لها.

وكان التحول الأبرز هنا انتقال الرمي من سلاح يُستخدم أساسًا ضد المقاتلين إلى وسيلة لمهاجمة المنشآت الدفاعية.

فلم تعد قوة الحصن تعتمد فقط على ارتفاع أسواره وسماكتها، وإنما أصبحت مرتبطة بقدرته على تحمل المقذوفات الثقيلة واستمرار الحصار.

ومع ذلك، بقيت آلات القذف محدودة نسبيًا في قدرتها على اختراق التحصينات الحجرية الكبرى، وكانت تحتاج غالبًا إلى وقت طويل لتحقيق نتائج حاسمة.

وهذه المحدودية ستتغير جذريًا مع دخول البارود إلى ساحات القتال.

البارود والمدفع.. الثورة التي كسرت الأسوار

نشأ البارود في الصين، وظهرت هناك مبكرًا تطبيقات عسكرية استخدمت طاقته في دفع المقذوفات. ثم انتقلت تقنيات الأسلحة النارية وتطورت عبر مناطق مختلفة من آسيا والعالم الإسلامي وأوروبا.

وبحلول القرن الرابع عشر الميلادي، كانت المدافع والأسلحة النارية قد بدأت تظهر في الحروب الأوروبية.

وكان الفارق عن القوس والمنجنيق جوهريًا؛ إذ أصبحت الطاقة الكيميائية الناتجة عن احتراق البارود هي التي تدفع المقذوف، بدل الاعتماد على طاقة العضلات أو المرونة الميكانيكية أو الأثقال.

وسمح ذلك بزيادة قوة المقذوف وقدرته على اختراق الدروع والأسوار، ثم تطورت المدافع تدريجيًا من قطع بدائية ثقيلة وبطيئة إلى أسلحة أكثر انتظامًا وفاعلية.

وقد ظهرت أهمية هذا التحول بصورة بارزة في فتح القسطنطينية عام 857هـ الموافق 1453م.

فقد استخدم السلطان العثماني محمد الفاتح مدافع حصار ضخمة لضرب الأسوار البيزنطية، ضمن حملة عسكرية جمعت القصف المدفعي والحصار البحري والعمليات البرية.

وكان لبعض المدافع العثمانية القدرة على قذف كرات حجرية تزن مئات الكيلوغرامات، وإن كانت تحتاج إلى فترات طويلة لإعادة التجهيز والإطلاق.

وأسهم القصف المستمر في إضعاف التحصينات التي كانت تعد من أقوى المنشآت الدفاعية في عصرها، وصولًا إلى سقوط المدينة.

لم تكن المدافع وحدها سبب الانتصار؛ فقد شاركت فيه عوامل القيادة والحصار والإمداد والمناورة. لكنها كانت أحد أهم العناصر التي غيرت ميزان القوة بين المهاجم والتحصينات الثابتة.

ومنذ ذلك العصر، بدأت الجيوش الأوروبية وغيرها إعادة تصميم القلاع والتحصينات، فظهرت منشآت أقل ارتفاعًا وأكثر سماكة، قادرة على تحمل القصف المدفعي بصورة أفضل.

وهكذا لم يطور الرمي وسائل الهجوم فقط، بل فرض تحولًا في الهندسة الدفاعية نفسها.

البندقية.. من دقة الرامي إلى كثافة النيران

ظلت الأسلحة النارية الفردية المبكرة محدودة الدقة وبطيئة التلقيم مقارنة بالأسلحة الحديثة، ولم تستطع إزاحة القوس بصورة فورية.

لكن تطوير آليات الإشعال والسبطانات والذخائر أدى تدريجيًا إلى تحسين أدائها.

وكان إدخال التخديد الحلزوني داخل السبطانة من التحولات المهمة؛ إذ منح المقذوف دورانًا يساعد على استقرار مساره وزيادة دقته.

وفي منتصف القرن التاسع عشر، ساعدت رصاصة «مينييه» (Minié)، التي طُورت عام 1849م، على الجمع بين سهولة تلقيم البنادق المخددة وتحسين مداها ودقتها.

ووفق المتحف الوطني للجيش البريطاني، بلغ المدى الفعّال لأحد طرازات بنادق مينييه نحو 731 مترًا، وهو تطور كبير مقارنة بالبنادق العسكرية الملساء الأقدم.

ثم جاءت الأسلحة التي تُلقّم من مؤخرة السبطانة، والذخائر المعدنية الموحدة، وآليات التكرار، لتزيد سرعة إطلاق النار وتقلل الوقت اللازم لإعادة التلقيم.

لكن التحول الأكثر تأثيرًا في كثافة النيران تحقق بظهور المدافع الرشاشة الآلية.

ففي عام 1884م، حصل المخترع هيرام مكسيم على براءة اختراع رشاش يعمل آليًا بطاقة الارتداد، بما أتاح إطلاق النيران المتتابعة دون الحاجة إلى تدوير آلية السلاح يدويًا لكل طلقة.

وأصبحت قوة نارية كان يتطلب توفيرها عدد كبير من الرماة ممكنة من خلال طاقم صغير يحمل سلاحًا واحدًا، مع استمرار الحاجة إلى الذخيرة والتبريد والصيانة.

ولم تعد المشكلة العسكرية مقتصرة على مدى السلاح ودقته، بل أصبحت تشمل كمية النيران التي يستطيع الجيش إنتاجها والمحافظة عليها خلال زمن محدد.

وقد ظهرت النتائج المدمرة لهذا التطور في المعارك الاستعمارية خلال أواخر القرن التاسع عشر، ثم على نطاق أوسع في الحرب العالمية الأولى.

الحرب العالمية الأولى.. المدفعية تفرض شكل المعركة

شكّلت الحرب العالمية الأولى، بين عامي 1914 و1918م، نقطة تحول كبيرة في تاريخ الرمي.

فقد اجتمعت المدافع الرشاشة مع المدفعية الثقيلة والمتوسطة وقذائف الهاون، وتحولت ميادين القتال إلى مساحات تتعرض لقصف كثيف ومتواصل.

وأصبح عبور مساحات مكشوفة أمام هذه الأسلحة مخاطرة هائلة، ما دفع الجيوش إلى إنشاء شبكات واسعة من الخنادق والتحصينات.

واحتلت المدفعية موقعًا مركزيًا في هذا الصراع.

ففي معركة السوم عام 1916م، أطلقت المدفعية البريطانية أكثر من 15 مليون قذيفة، بحسب بيانات المتحف الوطني للجيش البريطاني.

وتشير تقديرات المتحف الوطني للحرب العالمية الأولى في الولايات المتحدة إلى أن القذائف المدفعية تسببت في نحو 60% من الخسائر البشرية في ساحات القتال خلال الحرب.

وكان ذلك تحولًا في طبيعة الرمي: فلم يعد السلاح يستهدف فقط ما يستطيع الرامي رؤيته أمامه، بل أصبحت المدافع تضرب أهدافًا خلف التلال والتحصينات وعلى مسافات بعيدة، اعتمادًا على الحسابات والمراقبة.

كما تطورت وسائل تحديد مواقع مدفعية العدو من خلال رصد وميض الإطلاق وتحليل الأصوات، واستخدمت الطائرات في الاستطلاع وتصحيح القصف.

وأصبحت المعركة تعتمد بصورة متزايدة على العلاقة بين المعلومات والنيران.

فقد يمتلك الجيش مدافع قوية وكميات هائلة من الذخيرة، لكنه يعجز عن تحقيق أهدافه إذا لم يعرف مواضع قوات الخصم بدقة، أو لم يستطع تقييم نتائج القصف.

وهذا الدرس سيتحول لاحقًا إلى أحد المبادئ الأساسية في الحروب الحديثة.

الطائرات والصواريخ.. الرمي يغادر حدود الجبهة

أضاف ظهور الطيران العسكري بُعدًا جديدًا، إذ أصبح بالإمكان مهاجمة الأهداف من الجو وتجاوز كثير من العوائق البرية.

وتطورت الطائرات من وسائل استطلاع إلى منصات تحمل الرشاشات والقنابل، ثم إلى قاذفات استراتيجية قادرة على ضرب أهداف بعيدة عن خطوط المواجهة.

لكن القفزة التالية تمثلت في الصواريخ.

ففي الحرب العالمية الثانية، طورت ألمانيا سلاحَي V-1 وV-2، اللذين مثّلا بداية الاستخدام العملياتي الحديث للصواريخ الجوالة والباليستية بعيدة المدى.

وبدأ استخدام صاروخ V-2 ضد أهداف في أوروبا في سبتمبر/أيلول 1944م.

وبحسب المتحف الوطني الأمريكي للطيران والفضاء، بلغ مداه الأقصى نحو 320 كيلومترًا، وكان يحمل رأسًا حربيًا يزن قرابة طن.

وكان هذا الصاروخ مختلفًا عن قذيفة المدفع التقليدية؛ إذ امتلك محركًا يدفعه خلال مرحلة من رحلته، ثم واصل مساره الباليستي نحو الهدف.

ومع ذلك، عانى V-2 ضعف الدقة وارتفاع التكلفة، ولم ينجح في تغيير نتيجة الحرب. لكنه فتح الطريق أمام تطوير الصواريخ الباليستية العابرة للقارات.

وخلال الحرب الباردة، أصبحت الصواريخ جزءًا من منظومات الردع النووي الأمريكية والسوفيتية، ووصلت قدراتها إلى نقل الرؤوس الحربية لمسافات عابرة للقارات.

وفي هذه المرحلة لم يعد الرمي مجرد وسيلة للتأثير في المعركة البرية، بل أصبح أداة استراتيجية تستطيع تهديد أهداف تقع على بعد آلاف الكيلومترات.

ومع ظهور الصواريخ الجوالة الأكثر تطورًا، أصبح بالإمكان استخدام مسارات طيران موجهة لضرب أهداف محددة على مسافات بعيدة.

الذخائر الذكية.. الثورة في دقة الإصابة

حتى النصف الثاني من القرن العشرين، كانت زيادة احتمالات إصابة الهدف تعتمد في كثير من الأحيان على إطلاق أعداد كبيرة من القذائف أو إسقاط عدد كبير من القنابل.

لكن تطور الإلكترونيات والمستشعرات ووسائل التوجيه غيّر هذه المعادلة.

فقد ظهرت الذخائر الموجهة بالليزر والتلفزيون، ثم تطورت أنظمة الملاحة بالقصور الذاتي والأقمار الصناعية.

وفي حرب فيتنام، أثبتت القنابل الموجهة بالليزر فاعلية متزايدة، خصوصًا خلال عام 1972م، عندما استخدمتها الولايات المتحدة في ضرب جسور ومنشآت كانت قد استعصت على محاولات قصف سابقة.

وفي التسعينيات، أصبح التوجيه عبر الأقمار الصناعية أكثر أهمية، ولا سيما مع تطوير ذخائر «JDAM»، التي تجمع بين نظام الملاحة بالقصور الذاتي ونظام تحديد المواقع العالمي (GPS).

وكان التحول هنا بالغ الأهمية: بدل الاعتماد فقط على تدمير مساحة واسعة يُحتمل وجود الهدف داخلها، أصبحت الذخيرة قادرة على تصحيح مسارها نحو إحداثيات محددة.

لكن هذه الدقة تبقى مشروطة بصحة المعلومات، وكفاءة المستشعرات، وسلامة التوجيه، ومقاومة التشويش.

كما أن إصابة النقطة المحددة بدقة لا تعني بالضرورة إصابة هدف عسكري مشروع، ولا تضمن تجنب الخسائر بين المدنيين.

وهكذا لم يعد السؤال العسكري متعلقًا بقدرة السلاح على الوصول فقط، بل بمدى صحة تحديد الهدف نفسه.

المسيّرات.. عندما يجتمع الاستطلاع والرمي في منظومة واحدة

في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، برزت الطائرات المسيّرة بوصفها أحد أبرز التحولات في وسائل الرصد والهجوم.

فقد سمح تطور الكاميرات والاتصالات والأنظمة الإلكترونية والطائرات الصغيرة منخفضة التكلفة بانتشار منصات تستطيع جمع المعلومات أو حمل ذخائر أو تنفيذ مهام هجومية.

ورغم أن الطائرات غير المأهولة ليست اختراعًا جديدًا، فإن استخدامها على نطاق واسع في الحرب الروسية الأوكرانية منذ عام 2022م أظهر أثرها في إعادة تشكيل القتال البري.

وأصبح بالإمكان استخدام الطائرات المسيّرة في مراقبة مناطق واسعة، وكشف التحركات، وتقييم نتائج الضربات، فضلًا عن تنفيذ هجمات مباشرة باستخدام الذخائر الجوالة والطائرات الهجومية.

ولم يعد الرامي بالضرورة يرى الهدف بعينيه أو يقف في موقع الإطلاق نفسه.

فقد أصبحت عمليات الرصد ونقل المعلومات وتحديد الهدف وإطلاق الذخيرة متصلة عبر أنظمة رقمية متعددة.

ويشير المعهد الملكي البريطاني للخدمات المتحدة (RUSI)، في دراساته للحرب الأوكرانية، إلى أن تكامل وسائل الاستطلاع والمسيّرات والمدفعية والحرب الإلكترونية أصبح من أبرز العوامل المؤثرة في أداء الجيوش.

لكن الحرب أظهرت أيضًا أن المسيّرات لم تُنهِ دور المدفعية التقليدية، ولا الحاجة إلى القوات البرية أو الإمداد العسكري.

فالطائرات الصغيرة تتأثر بالتشويش والظروف الجوية وقدرات الدفاع الجوي، بينما تظل المدفعية قادرة على توفير كثافة نارية وحمولات أكبر في ظروف متعددة.

ومن هنا ظهرت ساحة تنافس جديدة: ليس بين القذيفة والصاروخ والمسيّرة فحسب، بل بين وسائل التوجيه ووسائل تعطيلها.

عصرنا الحالي.. من يكتشف الهدف أولًا؟

تكشف الحروب المعاصرة أن التطور الأهم لم يعد في المقذوف وحده، بل في المنظومة التي تحيط به.

فالأقمار الصناعية والرادارات والمستشعرات والطائرات المسيّرة تستطيع جمع المعلومات عن الأهداف، فيما تساعد شبكات الاتصالات وأنظمة معالجة البيانات على نقلها وتحليلها.

ثم تأتي وسيلة التأثير، سواء كانت مدفعًا أو صاروخًا أو طائرة مقاتلة أو ذخيرة جوالة.

ومع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي، تتجه الجيوش إلى استخدام البرمجيات للمساعدة في تصنيف البيانات والصور والإنذارات وتنسيق الاستجابة.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2026، كشفت رويترز عن مشروع هولندي لتطوير برمجيات تعتمد على الذكاء الاصطناعي، من أجل ربط المستشعرات والرادارات وأنظمة المسيّرات المستخدمة في الدفاعات الأوكرانية، وتسريع تبادل المعلومات بينها.

وتكشف هذه التطبيقات طبيعة التحول الجاري؛ فالسلاح الأكثر تطورًا لا يحقق بالضرورة أفضل النتائج إذا كانت المعلومات التي يتلقاها بطيئة أو خاطئة، أو إذا تعطلت اتصالاته أو افتقر إلى الإمداد والذخيرة.

ولهذا أصبحت القوة النارية الحديثة تُقاس بمجموعة عوامل مترابطة: المدى، والدقة، وكثافة النيران، وسرعة الاستجابة، والقدرة على الاستمرار، ومقاومة وسائل الدفاع والتشويش.

كما أصبحت القدرة الصناعية عنصرًا حاسمًا، لأن السلاح الدقيق والباهظ قد يكون ذا فاعلية عالية في الضربة الواحدة، لكنه لا يعوض دائمًا الحاجة إلى ذخائر كثيرة يمكن إنتاجها وتعويضها خلال الحروب الطويلة.

وتؤكد التجربة الأوكرانية أن الجيوش تحتاج إلى الموازنة بين الذخائر المتطورة مرتفعة التكلفة والأسلحة التقليدية واسعة الإنتاج، وبين التطور التقني والقدرة على تحمل الاستنزاف.

الرمي في ميزان التاريخ العسكري

إذا نظرنا إلى المراحل السابقة مجتمعة، أمكن ملاحظة أن تطور الرمي سار عبر خمسة تحولات كبرى:

زيادة المدى: من سهم يصل إلى مئات الأمتار، إلى مدفع يمتد تأثيره كيلومترات، ثم صواريخ تعبر القارات.

زيادة قوة التأثير: من المقذوفات الفردية إلى القذائف المتفجرة والأسلحة ذات الحمولات الكبيرة.

زيادة كثافة النيران: من رامي القوس إلى البنادق المتكررة والرشاشات والمدفعية واسعة النطاق.

تحسين الدقة: من مهارة الرامي وحسابات المدفعية إلى الذخائر ذاتية التوجيه.

دمج الرصد والتأثير: من المراقبة البصرية المباشرة إلى شبكات المستشعرات والاتصالات والأنظمة غير المأهولة.

لكن هذه التحولات لم تجعل الأسلحة الأقدم تختفي جميعًا.

فالمدفعية التي برزت في الحروب الصناعية ما تزال مؤثرة، والبنادق لا تزال سلاح المشاة الأساسي، والصواريخ الباليستية والجوالة تحتفظ بدورها الاستراتيجي، فيما أضافت المسيّرات وسائل جديدة للرصد والهجوم.

والسبب أن لكل منظومة حدودًا تتعلق بالتكلفة والمدى والذخيرة والظروف التشغيلية وطبيعة المهمة.

كذلك لم يُلغِ التطور العسكري أهمية القيادة والانضباط والتدريب والإمداد. فقد تخسر قوة تمتلك أسلحة متطورة أمام خصم أكثر قدرة على تنظيم قواته والحفاظ على إمداداته واستغلال المعلومات المتاحة له.

خاتمة.. بقي الرمي وتغيرت أدواته

حين أكد النبي صلى الله عليه وسلم أهمية الرمي، كان القوس والسهم من أبرز وسائل القتال عن بُعد. وبعد أكثر من أربعة عشر قرنًا، تغيرت الوسائل تغيرًا جذريًا، واتسعت المسافات، وتضاعفت قوة التأثير، وأصبحت الذخيرة في بعض الحالات قادرة على تعديل مسارها أثناء الطيران.

ولا ينبغي التعامل مع الحديث النبوي بوصفه وصفًا تقنيًا للأسلحة التي ستُخترع مستقبلًا؛ فدلالته المباشرة بيان أهمية الرمي في إعداد القوة، وهو معنى ظل ظاهرًا عبر عصور عسكرية مختلفة.

لقد انتقل الرمي من قدرة فردية تعتمد على مهارة الإنسان إلى منظومات معقدة تجمع الصناعة والرياضيات والإلكترونيات والاستطلاع والاتصالات.

لكن التاريخ العسكري يبين أن التفوق في الرمي لم يكن يومًا مرادفًا مضمونًا للانتصار في الحرب. فامتلاك السلاح القادر على إصابة الهدف لا يغني عن معرفة الهدف الصحيح، ولا عن القدرة على مواصلة القتال، ولا عن وجود استراتيجية تربط العمليات العسكرية بنتائجها السياسية. وهكذا، من جبل الرماة في أُحد إلى ميادين القتال التي تغطيها المسيّرات اليوم، بقي الرمي عنصرًا رئيسيًا في القوة العسكرية، بينما تغيّر ما يحدد فاعليته: من قوة ذراع الرامي ودقة بصره، إلى قدرة الجيش كله على اكتشاف الهدف، وإيصال النيران، والمحافظة على تفوقه في معركة تتجدد أدواتها باستمرار.


فريق النخبة