محتويات المقال

ليست أخطر صور الضعف أن تفتقر أمة إلى السلاح أو المصانع أو الثروات، وإنما أن تفتقر إلى المعرفة التي تمكّنها من صناعة ما تحتاج إليه، وفهم ما يملكه غيرها، وتطوير قدراتها بعيدًا عن التبعية.

فالدولة التي تستورد التكنولوجيا دون أن تفهم أسسها العلمية، وتشتري المعدات دون امتلاك القدرة على تطويرها، قد تمتلك أدوات القوة، لكنها تظل معتمدة على الآخرين في إنتاجها واستمرارها.

ومن هنا تبرز أهمية الترجمة بوصفها إحدى الأدوات الاستراتيجية التي تتيح للأمم الوصول إلى المعارف والخبرات المتراكمة، والاستفادة منها في بناء قدراتها العلمية والصناعية.

الترجمة في التجربة الحضارية الإسلامية

لم تنشأ النهضة العلمية الإسلامية بمعزل عن المعارف التي أنتجتها الحضارات السابقة، بل استفاد المسلمون من التراث العلمي اليوناني والفارسي والهندي وغيره، ونقلوا جانبًا مهمًا منه إلى العربية، ثم انتقلوا من استيعابه إلى نقده وتطويره والإضافة إليه.

وقد ازدهرت حركة الترجمة في العصر العباسي، مدعومة باهتمام العلماء ورعاية بعض الخلفاء والمؤسسات العلمية، حتى أصبحت العربية لغة رئيسية للإنتاج العلمي في مجالات متعددة.

لكن القيمة الحقيقية لهذه التجربة لم تكن في ترجمة الكتب وحدها، وإنما في تحويل المعرفة المنقولة إلى معرفة منتجة.

فلم يكتفِ العلماء المسلمون بتلقي ما وصل إليهم، بل أعادوا تنظيمه واختباره وتطويره، وأسهموا في تأسيس معارف جديدة انتقلت بدورها إلى أمم أخرى.

وهنا يظهر أحد أهم أسرار النهوض الحضاري: أن الأمم لا تتقدم لمجرد امتلاك المعرفة، بل حين تصبح قادرة على استخدامها وإنتاج المزيد منها.

من استهلاك المعرفة إلى امتلاكها

في عالمنا المعاصر، تتجلى أهمية هذه القضية بصورة أشد وضوحًا، بعدما أصبحت القوة الاقتصادية والعسكرية مرتبطة بالتقدم العلمي والتقني.

فامتلاك التكنولوجيا يختلف عن امتلاك القدرة على صناعتها، كما أن الوصول إلى المعلومات لا يعني بالضرورة فهمها أو توظيفها.

ولهذا فإن الترجمة، على أهميتها، ليست غاية مستقلة، وإنما مرحلة ضمن مسار يبدأ بنقل المعرفة، ويمر باستيعابها وتطبيقها، وينتهي بالبحث والابتكار والإنتاج.

وكلما امتلكت الأمة مؤسسات تعليمية وبحثية قادرة على استيعاب العلوم الأجنبية وتطويرها، ازدادت قدرتها على تقليل اعتمادها على الخارج، واتسعت خياراتها الاقتصادية والاستراتيجية.

أما الاكتفاء باستيراد المنتجات والاعتماد على الخبرات الأجنبية دون بناء كفاءات محلية، فيُبقي المجتمع مستهلكًا لنتائج التقدم العلمي، لا شريكًا في صناعته.

الترجمة في عصر الذكاء الاصطناعي

قد يبدو أن التطور الكبير في أدوات الترجمة الآلية والذكاء الاصطناعي جعل نقل المعرفة أمرًا سهلًا لا يحتاج إلى مشروعات متخصصة.

لكن سهولة ترجمة النصوص لا تعني سهولة استيعاب العلوم التي تتضمنها، فضلًا عن تحويلها إلى تطبيقات عملية.

فالذكاء الاصطناعي يختصر الوقت ويوسع إمكانات الوصول إلى المعرفة، لكنه لا يغني عن الباحث القادر على التحقق من المعلومات، وفهم المصطلحات، واختبار النتائج، وتطوير الحلول.

ومن ثم فإن التحدي الحقيقي لم يعد مجرد الحصول على المعرفة، وإنما بناء الإنسان والمؤسسة القادرين على الاستفادة منها.

وهذا يتطلب الاستثمار في تعليم اللغات والعلوم، وتأهيل المترجمين المتخصصين، وتطوير البحث العلمي، وربط المعرفة المنقولة باحتياجات الصناعة والاقتصاد والمجتمع.

صناعة القوة تبدأ بصناعة القدرة على المعرفة

إن استعادة الدور العلمي للأمة لا تتحقق بمجرد التوسع في ترجمة المؤلفات، ولا بالاكتفاء بالاعتزاز بإنجازات الماضي، وإنما ببناء مشروع معرفي يجعل الترجمة وسيلة للتعلم والتطوير والإنتاج.

ولا يعني الاستقلال المعرفي الانعزال عن العالم أو الاستغناء عن علوم الآخرين، بل امتلاك القدرة التي تجعل التعاون العلمي قائمًا على الكفاءة والمشاركة، لا على التبعية والاضطرار.

فالأمم القوية ليست تلك التي تعرف كل شيء، وإنما التي تمتلك المؤسسات والعقول القادرة على اكتساب المعرفة، وفهمها، وتطويرها، والاستجابة لما يستجد من تحديات.

والدرس الذي تقدمه التجربة الحضارية الإسلامية واضح: لا تبدأ الأمم نهضتها من الصفر، ولا تصنع قوتها بمجرد تقليد غيرها؛ وإنما تتقدم حين تحسن الاستفادة من المعارف المتاحة، ثم تضيف إليها ما يجعلها شريكًا في إنتاج العلم والحضارة.

وهكذا، فإن الترجمة تفتح باب المعرفة، لكن صناعة القوة تبدأ حين تعبر الأمة ذلك الباب، وتنتقل من قراءة ما ينتجه الآخرون إلى القدرة على إنتاج ما يحتاج إليه الآخرون منها.