محتويات المقال

من أبواب العبودية التي لا ينتبه إليها إلا أصحاب البصائر التامة: عبودية المراغمة؛ وهي أن يجعل المؤمن طاعته لله، وثباته على الحق، ومواقفه في سبيله سببًا في إرغام عدو الله وإغاظته.

وقد أشار ابن القيم رحمه الله إلى أن هذه العبودية من الأبواب الدقيقة التي لا يعرف حقيقتها ويسلكها إلا القليل من الناس، وأن نصيب العبد منها يكون بحسب محبته لربه وموالاته لأوليائه ومعاداته لأعدائه.

عبودية لا ينتبه إليها إلا أصحاب البصائر

يقول ابن القيم رحمه الله:

«عبوديّة المراغمة، ولا ينتبه لها إلّا أولو البصائر التّامَّة. ولا شيءَ أحبُّ إلى الله من مراغمةِ وليِّه لعدوِّه وإغاظتِه له.»

وقد أشار الله سبحانه وتعالى إلى هذه العبودية في مواضع من كتابه، ومن ذلك قوله تعالى:

{وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً} [النساء: 100]

فسمّى الله المكان الذي يهاجر إليه العبد في سبيله مراغمًا؛ لأنه يُراغَم به عدو الله وعدو المؤمن.

إغاظة الأعداء بالطاعة

ومن أعظم ما يوضح هذا المعنى قول الله تعالى:

{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [التوبة: 120]

فالآية تبين أن ما يصيب المؤمن في سبيل الله من تعب ومشقة، بل وحتى وطء موضع يغيظ الكفار، يُكتب له به عمل صالح.

القوة التي تُظهر الحق

وقال تعالى في وصف أصحاب رسول الله ﷺ:

{وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} [الفتح: 29]

فإظهار قوة المؤمنين وثباتهم واجتماعهم على الحق مما يغيظ أعداءهم، وقد ذكر الله ذلك في سياق الثناء عليهم.

حتى السجود للسهو فيه إرغام للشيطان

ومن لطيف ما ذكره ابن القيم أن النبي ﷺ شرع للمصلّي إذا سها في صلاته أن يسجد سجدتي السهو، وقال:

«إن كانت صلاتُه تامّةً كانتا ترغيمًا للشيطان».

وسمّاهما «المرغمتين»؛ لما فيهما من إرغام الشيطان وإذلاله.

وهذا يبيّن أن المراغمة ليست محصورة في صورة واحدة، بل قد تكون من خلال طاعة مشروعة يرضاها الله ويُرغم بها العدو.

المراغمة وأثرها في حياة المؤمن

ومن تعبّد لله بمراغمة عدوه، فقد أخذ من الصديقية بسهم وافر، ويكون نصيبه من هذه العبودية على قدر محبته لربه وموالاته لأوليائه ومعاداته لأعدائه.

ولهذا ذكر ابن القيم أن من صور المراغمة ما حُمد من التبختر بين الصفين، وكذلك الخيلاء عند صدقة السر؛ لما في ذلك من إرغام العدو ببذل العبد محبوبه من نفسه وماله لله تعالى.

وهذا باب دقيق من أبواب العبودية، لا يعرفه ويسلكه إلا القليل من الناس.

الوقفات الإيمانية

أولًا: ليست كل عبادة ظاهرة للناس؛ فهناك أعمال ونيات لا يدرك عمقها إلا من عرف مقاصد العبودية.

ثانيًا: طاعة الله والثبات على الحق قد تكون في ذاتها سببًا في إغاظة أهل الباطل، دون أن يكون مقصد المؤمن مجرد التشفي أو الانتقام.

ثالثًا: المراغمة الحقيقية تكون بما شرعه الله، لا بالظلم أو الاعتداء أو تجاوز الحدود.

رابعًا: كلما عظم حب العبد لربه وصدقه في طاعته، ازداد أثر ثباته في مواجهة الباطل.

خامسًا: من ذاق حلاوة هذه العبودية وعرف قدرها، أدرك أنها ليست مجرد موقف عابر، بل معنى عميق من معاني الصدق مع الله.

المحصلة

عبودية المراغمة باب من أبواب العبودية الدقيقة؛ فالمؤمن لا يكتفي بأن يطيع ربه، بل يثبت على الحق فيما يغيظ أهل الباطل ويرد كيدهم، ملتزمًا في ذلك بشرع الله وحدوده.

وقد ختم ابن القيم كلامه بقوله:

«وهذا بابٌ من العبوديّة، ولا يعرفُه ويسلكُه إلّا القليلُ من النّاس. ومن ذاق لذَّتَه وطعمَه بكى على أيّامه الأُوَل. وبالله المستعان، وعليه التُّكلان، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله.»

المصدر

ابن القيم، مدارج السالكين، ط. عطاءات العلم، جـ1، صـ353–355.

إعداد

فريق النخبة