يُعد أبو سبرة بن أبي رهم القرشي العامري أحد كبار الصحابة وقادة الفتح الإسلامي في العراق وفارس، ومن السابقين الأولين إلى الإسلام. جمع بين شرف الصحبة، والهجرة، والجهاد، والقيادة العسكرية، وكان له دور بارز في فتح مدن خوزستان، حتى أصبح من أبرز قادة المسلمين في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

نسبه وإسلامه

هو أبو سبرة بن أبي رهم القرشي العامري، وأمه برة بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ، فهو ابن عمة النبي صلى الله عليه وسلم. كان من أوائل من أسلموا، وهاجر إلى الحبشة الهجرتين الأولى والثانية مع زوجته أم كلثوم بنت سهل بن عمرو، ثم هاجر إلى المدينة المنورة، حيث آخى النبي ﷺ بينه وبين سلمة بن سلامة بن وقش. وشهد مع رسول الله ﷺ غزوة بدر وأحد والخندق وسائر المشاهد، وأظهر فيها شجاعة وبسالة عظيمة، فنال شرف الصحبة والجهاد تحت راية النبي ﷺ.

جهاده في عهد الخلفاء الراشدين

حروب الردة

شارك أبو سبرة في جيش أسامة بن زيد الذي جهزه النبي ﷺ، وبعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم شارك في قتال المرتدين حتى عادت الجزيرة العربية إلى الاستقرار.

إنقاذ جيش العلاء بن الحضرمي

عندما تعرض جيش العلاء بن الحضرمي في فارس لخطر الإبادة، أمر الخليفة عمر بن الخطاب بإرسال قوة كبيرة من البصرة لإنقاذه. اختير أبو سبرة قائداً لهذه الحملة التي ضمت نحو اثني عشر ألف مقاتل من كبار الصحابة والقادة، فتمكن من: إنقاذ الجيش الإسلامي. هزيمة القوات الفارسية. العودة بالجيش إلى البصرة سالماً ومنتصراً.

والي البصرة

عندما استأذن عتبة بن غزوان الخليفة عمر في الحج، استخلف أبا سبرة على البصرة، ثم أقره عمر على ولايتها حتى تولى المغيرة بن شعبة، فعاد أبو سبرة إلى ميادين الجهاد.

قيادة فتوح الأهواز وخوزستان

بعد أن أعاد يزدجرد الثالث تنظيم المقاومة الفارسية، أمر الخليفة عمر بن الخطاب بإرسال جيش كبير إلى الأهواز، وجعل القيادة العامة للقوات القادمة من البصرة والكوفة إلى أبي سبرة بن أبي رهم، في دليل واضح على ثقته بكفاءته العسكرية.

فتح تستر

تُعد تستر من أعظم المدن الحصينة في إقليم خوزستان، وقد تحصن فيها القائد الفارسي الهرمزان. حاصر أبو سبرة المدينة عدة أشهر، وخاض المسلمون خلالها عشرات المعارك، حتى تمكنوا من اقتحامها بعد أن دل أحد الفرس المسلمين على نقطة ضعف في دفاعاتها.

  • انتهى الحصار بـ:\

    فتح مدينة تستر. أسر الهرمزان. إرساله إلى الخليفة عمر بن الخطاب مع وفد ضم أنس بن مالك والأحنف بن قيس.

وكان فتح تستر من أعظم انتصارات المسلمين على الدولة الساسانية.

فتح السوس

بعد سقوط تستر انسحبت القوات الفارسية إلى مدينة السوس. توجه أبو سبرة بنفسه لملاحقتهم، ومعه أبو موسى الأشعري والنعمان بن مقرن المزني، فضربوا الحصار على المدينة حتى فتحت عنوة، ثم طلب أهلها الصلح، فقبل المسلمون ذلك.

فتح جنديسابور

واصل أبو سبرة تقدمه إلى جنديسابور، إحدى أهم مدن فارس العلمية والعسكرية. وأثناء الحصار أعلن أهل المدينة استسلامهم، مؤكدين أنهم قبلوا الأمان الذي كتبه لهم عبد من المسلمين يدعى مكنف. رفع أبو سبرة الأمر إلى الخليفة عمر بن الخطاب، فجاء رد عمر:

“إن الله عظّم الوفاء، فما دمتم في شك فأجيزوهم وفوا لهم.”

  • فأوفى المسلمون بالعهد، وأصبحت هذه الحادثة مثالاً خالداً في عدالة المسلمين واحترامهم للعهود.

    صفاته القيادية

    تميز أبو سبرة بعدد من الصفات العسكرية والإدارية، منها: حسن التخطيط قبل خوض المعارك. عدم التسرع في اتخاذ القرار. القدرة على جمع القوات وتنظيمها. تطبيق مبدأ التعاون بين الجيوش الإسلامية. الثبات في الحصار الطويل حتى تحقيق النصر. نيل ثقة الخليفة عمر بن الخطاب وكبار الصحابة.

    وقد قاد شخصيات عسكرية بارزة مثل: النعمان بن مقرن. أبو موسى الأشعري. الأحنف بن قيس. عاصم بن عمرو التميمي. وكان توليه القيادة عليهم جميعاً دليلاً على مكانته العالية.

    أواخر حياته

    تنقطع أخبار أبي سبرة بعد فتح جنديسابور، ويبدو أنه عاد بعد ذلك إلى مكة المكرمة وأقام فيها. وقد استغرب أبناؤه رجوعه إلى مكة، لأن النبي ﷺ كان يكره أن يموت المهاجر في الأرض التي هاجر منها. وتوفي رضي الله عنه سنة 35 هـ / 655م في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، ويُرجح أن وفاته كانت قبل استشهاد الخليفة عثمان بقليل.

** مكانته في التاريخ**

خلّد التاريخ أبا سبرة بوصفه أحد كبار القادة الذين ساهموا في إسقاط النفوذ الفارسي في خوزستان، ومهّدوا الطريق لاستكمال الفتوح الإسلامية داخل الدولة الساسانية.

كما عُرف بوفائه بالعهود وعدله في التعامل مع خصومه، فكان مثالاً للقائد المسلم الذي جمع بين الشجاعة والحكمة والأمانة، حتى أصبحت مواقفه العسكرية والإنسانية نموذجاً يُحتذى في تاريخ الفتوح الإسلامية.

كان أبو سبرة بن أبي رهم القرشي العامري صحابياً جليلاً وقائداً محنكاً، جمع بين الهجرة والجهاد والقيادة، وأسهم في فتح تستر والسوس وجنديسابور، فكان من أعظم قادة المسلمين في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وقد ترك سيرةً حافلة بالشجاعة، وحسن القيادة، والوفاء بالعهود، فاستحق أن يُذكر في سجل كبار فاتحي الإسلام.

** قادة فتح فارس، محمود شيت خطاب.**